الرئيسية | جريدة الملتقى | آراء حرة | إيحاءات إنسانية

:: إيحاءات إنسانية ::

حجم الخط: صغر من حجم الخط كبر من حجم الخط

علاج غياب الإحساس بالارتباط الروحي مع الأشياء

    

وسام الحجاج

                                                                                                               إننا بحاجة إلى إعداد نفسي، وثقافي، وحضاري، لفهم تلك المعالم والإيمان بمثل هذه الأحاسيس التي نفتقدها ونفتقد معها الكثير من الجمال الحضاري والروحي. كما إننا بحاجة إلى حملة تثقيفية تجاه هذه الأمور المعنوية والروحية لأنها ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالماديات وتترك آثاراً إيجابية على الجانب النفسي للإنسان، وتأتي هذه الحملة من عدة جهات منها:تحريك وتفعيل المؤسسات المسؤولة عن التراث والآثار لغرض رصد كل المواقع الأثرية التي في البصرة ومحاولة تسجيلها وترميمها والعناية بها. وتحريك المواطن باتجاه المحافظة على ممتلكاته الأثرية من خلال رفع قيمتها المادية التي تنصف قيمتها المعنوية، وذلك عبر سن قانون لحمايتها من التلف والهدم، وإصدار القرارات التي تقضي برفع قيمتها المادية وهبوط هذه القيمة عند تعرض بعض أجزائها للتلف تشجيعاً للمواطن في المحافظة عليها.إطلاق حملة تثقيفية عامة وشاملة في كل أنحاء العراق، لتعريف المواطن بالقيمة الحقيقة لأية قطعة أثرية سواء كانت منزلاً قديماً أو صرحاً أو تحفة أو مخطوطة.. ومحاولة شراء ما بيد المواطن من التحف التي استطاع العثور عليها خلال فترات غياب القانون وأيام الحواسم أو من خلال الحفر والتنقيب الذي يقوم به بعض المزارعين في أراضيهم بحثاً عن الماء، فالكثير من الأراضي الزراعية ذات بعد تاريخي وتحوي في بطونها بعض القطع الأثرية. بل تشجيع المواطن على الإحساس بالمسؤولية تجاه كل ما يقع في يده من آثار أو قطع ثمينة، وتحسيسه بالثقة المتبادلة بينه وبين الجهات المسؤولة لغرض تشجيعه على تسليمها للدولة.العمل الجاد من أجل إضفاء الصفات الجمالية والكمالية والأثرية على المشاريع الجديدة التي تقوم بإنشائها الحكومة من أجل قيام مدينة جميلة المظهر، إن الكثير من المشاريع التي تنفذها الدولة لا تحمل شكلاً جمالياً إنما هي مجرد أبنية وصروح تؤدي وظيفة معينة في حين أن البصرة كانت وما زالت تحوي بعض الصروح التي بنيت في العهود السابقة والتي اكتسبت شكلاً جمالياً أضفى على المدينة رونقاً خاصاً تميزت به عن غيرها من المدن فإليك المستشفى التعليمي مثلاً، ذلك الصرح الكبير الذي رغم بؤسه من الداخل وذهاب الكثير من معالمه الجميلة إلا أنه ما زال يحتفظ بمظهره الخارجي الأنيق، وكذا بناية البنك المركزي على ضفاف شط العرب، والأمثلة في هذا الموضوع كثيرة من الأبنية التي شيدتها أيدي المهندسيين البصريين والعراقيين الذين أبدعوا في نحتها وزخرفتها وكانوا بحق فنانين ماهرين.وضع برنامج تثقيفي حقيقي وجاد من أجل رفع المستوى الثقافي للمواطن وتحسيسه بأن ما يملكه يمكن أن يكون ذا قيمة حضارية، وتشجيعه على التغيير والتنويع في أساليب البناء وعدم تقليد الأشكال المتعارفة ومحاولة ابتكار خرائط ذات طابع أثري أو بعد تاريخي عند بناء المنازل، كما يجب تثقيفه على مسألة احترام ممتلكات الدولة وتحسيسه بأن ما تشيده الدولة ملكً له ولأبنائه ومدينته الجميلة وأن جماله الشخصي جزء من جمال المدينة، فكما يهتم بمظهره الخارجي عليه أن يهتم بمظهر الحي والمنطقة التي يسكنها والمدينة التي ينتمي إليها.القيام بحملة تثقيفية من أجل تطبيع المواطن على احترام الرأي الآخر وممارسة الديمقراطية سلوكاً حياً صحيحاً نابعاً من فهم حقيقي مبني على أسس ثقافية صحيحة، وتطبيع المواطن على الحوار الهادف الجاد بدل هذه الأساليب الجدلية العقيمة التي نراها كل يوم وفي كل مكان والتي لا تدل سوى على تخلف المواطن وسوء فهمه للأحداث والأمور التي تدور حوله.إعادة تأهيل البعد النفسي والروحي للمواطن وإعادة تدريبه على حب وعشق الأشياء الجميلة التي تحمل معان رومانسية شفافة، وتطبيعه على احترام الأعياد التي تحمل أبعاداً جمالية وروحية كعيد الشجرة الذي هو تقديس للطبيعة وإعارتها الأهمية القصوى، وعيد الحب وكل الأعياد التي تحمل البعد الجمالي، وتشجيعه على الاحتفال بهذه الأعياد، وحثه على التهادي والتحابب والتوادد. إنني أعلم بأني لا أتكلم عن شعب من الحجر بل أتحدث عن شعب قدّس الجمال وأبدع في وصفه لقرون عديدة فأنجب الكثير من الفنانين والشعراء والفلاسفة، ولكنني أراه اليوم يعاني الكثير من الألم والحرمان بسبب ما مر عليه من سنين عجاف وأيام عصيبة وحروب دامية، لقد اعتاد الناس على الكثير من الأفعال التي كانت هي أكثر الأشياء كرهاً في حياتهم فاعتادوا على تنفس الغبار والجلوس على التراب والنفايات واعتادوا على رؤية الكلاب السائبة بين البيوت وجلوسها قرب أبواب المنازل، كما اعتادوا على دخول القطط المشردة إلى منازلهم واعتادوا رؤية الجرذان تعبث في أكياس القمامة في بيوتهم.. كما أصبحت الكثير من الأشياء الجميلة مرفوضة  وغير مقبول الإتيان بها، ولا أحد يعرف سبباًَ لرفضها ولعدم احترامها، فلا الدين يرفض تقديس الجمال ولا الأخلاق الحميدة تمنع أن يكون الإنسان جميلاً، وأن يحب الجمال.إن العراقي إنسان ذو أحاسيس ومشاعر جياشة، ويمكنه أن يتذوق كل ألوان الجمال المادي والمعنوي، لكن إحساسه بالجمال يُطمر يوماً بعد يوم تحت وطأة صعوبة العيش وغياب الخدمات التي من شأنها أن توفر له الراحة النفسية التي من خلالها يمكن أن تفتح أحاسيسه وتفجر فيه مشاعره التي تساعده على رؤية جواهر الجمال المكنونة في الأشياء المحيطة به.

                                                                                                    

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق

 
  • بريد ألكتروني أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
أضف إلى أضف إلى ديليشس del.icio.us | ديج هذا الموضوع Digg
قيم هذا المقال
0
معرض الفيديو

Baghdad