:: في حوار مع السيد رئيس جامعة البصرة ::
عندما يكون العلمُ معشوقاً ، فحسبك في ساحة العشقِ من قصص الكفاح والهيام ، وصور المغامرة والوفاء بين عاشق نذر الروح والجسد ومعشوق تعّلق فيه إلى الأبد . الأستاذ الدكتور صالح إسماعيل نجم واحد من عشاق العلم الأوفياء لتخصصهم ، وكانت له فيه رحلة موفقة كلفته أحلى سنوات العمر إذ كان يتخطى المحطات بخطى واثقة وبعزيمة كبيرة فما أن يبرح محطة حتى يترك فيها أجمل الأثر وأحسن العطاء .. من جامعة ( ويلز ) البريطانية حيث الحصول على الدكتوراه عام 1979م إلى جامعة البصرة حيث البحث والتدريس وإن شئت سّمها محطة التميز والعطاء فقد درّس فيها أكثر من ( 15 ) مادة علمية في تخصصه في الهندسة الميكانيكية وهندسة الطاقة وأشرف على أكثر من ( 15 ) طالب دكتوراه و ( 40 ) طالب ماجستير ، وأعداد كبيرة في الدراسات الأولية والدبلوم العالي ... وحين أفتتح المكتب الاستشاري الهندسي عام 1980م ترأس الكثير من الفرق الهندسية وقدم الكثير من الاستشارات ، وبسبب هذا فقد حظيت مسيرته العلمية بالكثير من العناية والتكريم من لدن المسؤولين ومن ذلك حصوله على ( وسام العلم ) من ديوان رئاسة الجمهورية السابق ، وفي عام 2002م توجته الجامعة بلقب ( الأستاذ الأول ) على الملاكات التدريسية في وزارة التعليم العالي وحين تسلم عمادة كلية الهندسة تم تكريمها بوصفها أفضل كلية في العراق وذلك بناء على ما قدمته من خدمات للمجتمع إذ قامت بإبرام أكبر عدد من العقود وتحقيق أعلى الإيرادات . واليوم إذ يتسلم الدكتور القرناوي رئاسة جامعة البصرة تلوح في الأفق بوارق الأمل في أن تمضي المسيرة العلمية للجامعة مكللة بالنهوض والإبداع لتضيف إلى تاريخها المضيء أنصع الصفحات . إن حرصنا على إيصال الأصوات المتميزة والمبدعة في بصرتنا الحبيبة إلى قرائنا الأعزاء هو الذي دعانا إلى هذا الحوار مع أستاذنا الدكتور القرناوي · ما يشغلكم الآن الارتقاء بجامعة البصرة وقد تماهى إلى أسماعنا أن هناك خطة خمسية مقترحة لتحقيق ذلك .. ما أبعاد تلك الخطة ؟ وهل هناك منغصات ستحول دون تحقيق ما هو مطلوب ؟ - إن هدفنا الأساس هو الارتقاء بالجامعة ، وقد وضعنا الخطة الخمسية لتحقيق هذا الهدف .وتشتمل تلك الخطة على سبعة محاور رئيسة نطمح فيها إلى الارتقاء بالمستوى العلمي في جميع كلياتنا الإنسانية والعلمية ومراكزنا البحثية لكي تستعيد الجامعة العراقية صورتها وسمعتها المحمودة ومثل ذلك يكون لخريجيها بمختلف تخصصاتهم .وفضلاً عن هذا فسيتم إكمال المستلزمات الجامعية بما في ذلك بناء كليات وتزويدها بالكتب والأجهزة والمختبرات والمكاتب الإدارية والخدمية والارتقاء بمستوى الأقسام الداخلية .ومن الأمور المهمة التي ركزت عليها الخطة تحسين الوضع المعيشي والخدمي والاجتماعي للتدريسي والموظف والطالب ، وكذلك مدّ الجسور بين الجامعة والمجتمع البصري خاصة والعراقي بشكل عام وفي هذا الإطار تحرص الجامعة على تنشيط وسائل خدمة المجتمع من خلال المكاتب والمراكز الاستشارية وبرامج التعليم المستمر ....الخ أيضاً تؤكد الخطة اهتمامها في تنشيط الاتصال بوزارة التعليم العالي ، وتفعيل التواصل مع الجامعات العربية والعالمية والمنظمات الأكاديمية والعلمية .أما بخصوص المنغصات فقد يكون الواقع الأمني فيما لو شهد تراجعاً لا سمح الله فإن ذلك سيكون أشدها وطأة علينا .. هذا وإن ضعف التخصيصات المالية قد يحول دون تحقيق كامل طموحاتنا وإن شاء الله سيتحقق الأمل في أن يتحسن وضعنا الاقتصادي ويتحول بلدنا من مستهلك إلى منتج فتتوفر الموارد لنا جميعاً . · هل هناك فساد إداري مشخص في جامعتكم ؟ وهل تعتقدون ان الإمكانات المتاحة كافية لاحتوائه والقضاء عليه ؟ - عند مقارنة الواقع الجامعي بواقع الكثير من الدوائر نجد أن الجامعات ومنها جامعة البصرة أقل فساداً والأسباب واضحة هي أن عملنا يدور بين تدريسي وطالب وأحياناً عدد من الموظفين ، وليست هناك مراجعات لعامة الناس ... ومع هذا فلا ننكر وجود مثل هذه الحالة المرضية في واقعنا الجامعي فلقد شخصنا الكثير من حالات التزوير لشهادات لم يدرس أصحابها قط وأحلناهم للقضاء لينالوا جزاءهم العادل .وهناك أيضا التدريس الخصوصي وهو بلا شك أحد أنواع الفساد وعليه يترتب الكثير من السلبيات التي تحرف المسيرة العلمية عن استقامتها ولا ننكر الرشاوى فهناك في كل وسط أناس من مرضى النفوس يلجؤون إلى تلك الوسائل غير الشريفة للحصول على المال الحرام ونحن بدورنا بذلنا ونبذل قصارى جهدنا لتشخيص من يمارسها ومن ثم الحدّ منها ومحاسبة مرتكبيها . · الرقابة والتقويم ضروريتان لنجاح أي عمل ولا يعتقد أن وظيفتهما متحققة بالشكل المطلوب اليوم فما منظوركم لهما في جامعة البصرة ؟ - أجل .. إنّ أي عمل لا يمكن أن يكتب له النجاح والتقدم بعيداً عن عمليتي ( الرقابة والتقويم ) فتشخيص الهنات والأغلاط معناه أن هناك رقابة تسير حيث يسير العمل وبهذا فنحن نضمن سير العمل إلى الأمام .إنّ عملنا في الجامعة حساس لأننا نصنع رجالاّ ستتحرك بهم البلاد وسُيكتب لها التقدم بفضل عطائهم ، ولذا فإن أي خلل في ذلك العمل سيؤخر المسيرة وسيلحق بها أضرارا فادحة .إن الرقابة هي الضمانة الأكيدة لسير الأعمال دونما تلكؤ أو خلل ومثل ذلك يقال عن التقويم فبين الحين والآخر لا بد من تقويم الأداء لكل منتسبي الجامعة وذلك للإفادة من الأخطاء ولتمشية الأمور في الاتجاه الصحيح .وعمليتا الرقابة والتقويم لا تسيران في اتجاه واحد وإنما هناك مجموعة أنظمة تسيران بموجبها كالنظام الامتحاني والنظام الإداري والنظام المالي ، وهناك رقابة أخلاقية لمتابعة التزام الطلبة بالزي الموحد ، وبالحشمة والابتعاد عن مظاهر التبرج الأمر الذي يجعل قيمنا الجامعية مقبولة لدى المجتمع . · أن ما أصاب المستوى العلمي بعد السقوط مرتبط بالتأكيد بما أصاب الواقع العراقي من إخفاقات وفيما يعتقد أن منظومتنا الثقافية مستهدفة من أجل أن تتراجع أمام الثقافات الجديدة المعولمة ومن أجل تفقد هويتنا الثقافية الكثير من ملامحها .. ما تعليقكم على ذلك ؟ - نحن نشاطركم هذا الرأي ... وهنا لا بد أن نشير إلى أن ثقافتنا العراقية قد تعرضت للتحجيم والتهميش قبل السقوط بسبب سياسة النظام السابق التي كانت تلاحق الثقافة وتخنقها في أطر محددة ... وبعد السقوط ازداد الوضع سوءاً بسبب ما أصاب البلد من إرهاب وتهجير ، وللأسف فإن بلدنا كان طارداً لأناسه خاصة الطبقة المثقفة وذلك في ظل النظام السابق ...واليوم نتمنى أن تعود منظومتنا الثقافية إلى عافيتها وتحقق توجهاتها في التحديث والرقي وخدمة الإنسان ، وبدورنا نحن سنعمل جاهدين لاستعادة مجدنا الثقافي باحتضاننا كلّ الكفاءات والطاقات في داخل العراق وخارجه . · ما الذي عملته الجامعة لتعزيز حرصها على مدّ الجسور إلى مجتمعنا البصري المدني ؟ وهل هناك توجهات لدى كليات الجامعة لتحقيق هذا الهدف بجد وفاعلية ؟ - إنّ من أوليات اهتماماتنا منذ تسلمنا رئاسة جامعة البصرة الاعتماد على سياسة الانفتاح الكامل على كل القطاعات والشرائح في مجتمعنا البصري وفي مختلف التخصصات ...لقد دعونا ووجهنا كلياتنا إلى ضرورة استضافة المثقفين ، وفتح أبواب القاعات والمسارح أمامهم لممارسة أنشطتهم ، ولتفعيل كلّ الممارسات الثقافية في الشعر والأدب والفن ، وبناء على هذا فقد أقيمت الكثير من المعارض والندوات والمؤتمرات في قاعاتنا وعلى مسارحنا فضلاً عن الأنشطة الرياضية التي جرت وتجري في ملاعبنا .هذا بالنسبة للكليات الإنسانية أما الكليات العلمية فلها مجالها الذي تقدم من خلاله الخدمات إلى المجتمع فهناك الخدمات الطبية مثل طب الأسنان وغيرها كما ان هناك الاستشارات الهندسية والعلمية والقانونية والاقتصادية وإدارة الأعمال .إن جامعتنا في الوقت الذي ترفد فيه المجتمع بالطاقات المتعددة وفي مختلف المجالات ، فهي على صلة وثيقة بكل شرائح المجتمع تستمع إلى آرائهم ومقترحاتهم ، وتقدم لهم المشورة والنصيحة . · فراراً من سياسة القهر والتهميش التي مارسها النظام البائد هاجر الكثير من أصحاب الكفاءات في جامعة البصرة وبناءً على الدعوات المخلصة من الحكومة الموقرة – بعد السقوط – عاد هؤلاء ليكون لهم دورٌ في خدمة بلادهم لكن هناك تهميشاً واضحاً أبعدهم عن أداء دورهم المطلوب بحجة أن الشواغر التي تركوها شغلت من غيرهم انطلاقاً من سياسة سد الفراغ بكان من كان فهل لكم رؤية ومتابعة لذلك الأمر ؟- نحن نؤمن بقوة أن عودة الكفاءات إلى العراق في غاية الأهمية ويتوجب على الحكومة وبالأخص وزارة التعليم العالي تهيئة الظروف اللازمة لاستقطاب هؤلاء الذين تركوا الوطن في ظل ظروف صعبة كانوا قد عانوا منها في ظل النظام السابق ، ولا بد لهم اليوم أن يعودوا لان بلدهم أولى بهم ، وهم عنصر مهم في التنمية والتطوير اللذين ننشدهما اليوم لهدم الهوة بيننا وبين الدول الأخرى أما من ناحية ملء الشواغر بكان من كان فأنا شخصياً لا أومن بذلك وإنما ينبغي التأكد من الكفاءة ودقة الاختصاص واحتضان أصحابها الذين هم عملة نادرة لا يمكن الحصول عليها بسهولة .
حاوره : الدكتور عامر السعد



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك