:: قصة قصيرة ::

حجم الخط: صغر من حجم الخط كبر من حجم الخط
الأرض الطيبة

لطيف البدراوي

 لم يكن سكيرا البته ولم يثمل أطلاقا إلا إن صديقه وزميله الأعزب عوده السهر ليالي الخميس ليحتسي معه باحتفالية خاصة وليطرد الغبش ويدفن الحنين من أمام عينيه إلى المدينة بلغوها .. برعونتها .. ببطشها . بكل مآسيها ويروي عطشه خلف ملاذ مستور يوفر له صديقه بعيدا عن أعين الفلاحين والمتعبين ساكني تلك الأرض الذين يكنون له الود والاحترام . لم يحس بالضجر رغم طول السنين اعتاد على كل شيء حتى وجه أهل القرية التي اعتاد مشاهدتها يوميا وحفظ أسماء أولادهم البدائية بطيبه كان يشعر من ان وجوده في قرية متخلفة بأمس الحاجة لجهده الذي يشعره بلذة غامرة وبقيمة حقيقية لوجوده أمام مجموعة من الناس يحملون نبلا صافيا .منذ الوهلة الأولى أحس أن تلك الأرض ستكون ميناءه الأخير ولن يفكر في الإبحار ثانية في تيه متلاطم الأمواج وسوف لن يرن إلى فنار بعيد يرشده إلى ملاذ آخر .أحب تلك الأرض حين آوته بحنو وهو يرتمي بين أحضانها وهي تلفه بأحاسيس شتى مطلية بعبق الهور الصافي . كأحاسيس طفل يحبو ثم يغفو بحضن أمه الدافئ ونزولا عند رغبة زوجته قام بزيارة مقام ( السيد محسن ) الذي يشمخ في مقدمة بيوت القرية حتى أصبح احد معالمها الروحية واهم رموزها الدينية وملاذا آمنا للكثير من المحرومين والمسحوقين حتى ذاع صيته إلى القرى المجاورة .وانقاد بخطوات مترددة تسبقه أمنيات أن يتدخل السيد في إلغاء أمر النقل أو على الأقل تأجيله . وبدون التفات أو تردد لطخ باب السيد بقليل من الحناء وهو يقبل عتبته بتردد ووجل حين زكمت أنفه رائحة فمه بما تبقى من خمر البارحة وسارع وهو يعقد طرف راية خضراء كانت متدلية وابتعد سريعا خوفا وربما احتراما لقدسية المكان .دقق بتألق أخاذ تحت أهداب عيون زوجته وهج شهي يشير إلى رغبة في أقناعه أن لا ستهزئ بجلالة ( السيد ) وبضرورة الوفاء بنذرها الذي قطعته على نفسها حين صاحب ختان ابنها البكر نزيف حاد وعصيان ( السيد ) وعدم الوفاء للنذر يعني الأضرار الذي يصل في بعض الأحيان إلى فناء أو دمار .وهو يعيد قراءة كتاب النقل أضاعه نداء الأرض الواعدة الذي ينزف دفئا مترفا ووعدا وسرورا على مدى بقائه على أديمها كيف له ان ينسى مسامرتها والتيه في عيون عشبها وبقولها الدائم وهورها الحالم والهدوء الذي ينساب فوق الهدوء .أحس أنه سيبدأ رحلة طويلة مجهولة مضنية ولن يحس أو يشعر بالتوقد الذي أحسه أول ما وطأت أرجله تلك الأرض انه قرب الطيبين الذين يمتلكون النبل الصافي .رجال يتسامرون بديوان الشيخ بعفوية محببة ويدخنون التبغ الرخيص بتلذذ أنهم ناس بلا شياطين عندهم العمل عبادة والزواج بأكثر من زوجة ليس بدافع الفراغ أو الهوس الجنسي رغم إنهم يؤمنون إن الجنس يعتبر مخدر لهموم ثقيلة لنهارات طويلة مضنية ومتعبة إنهم يؤدونها كالصلاة وضروه ملحة للإنجاب تفرضها رقعة الأرض المزروعة ومرق من إمامه حشد من الفلاحين العائدين وهم يلوحون له بمناجلهم ودون إن يدري إلف نفسه إمام صاحبه وهو يصب له كأسا مترعة وهو يدقق بصورته التي ارتسمت على سطح القدح المترع وبكيفية أقناع أهل الشأن من أن المصلحة العامة لن يصيبها مكروه اذا ما أقدمت بشجاعة على إلغاء أمر النقل 

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك تعليق

 
  • بريد ألكتروني أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
أضف إلى أضف إلى ديليشس del.icio.us | ديج هذا الموضوع Digg
قيم هذا المقال
0
معرض الفيديو

Baghdad