القائمة الرئيسية
جريدة الملتقي
مواقع صديقة
:: الفنان .. قيس عبد الرازق .. وإعادة خلق التاريخ ::
إحسان وفيق السامرائي
إنّ مران الفنان " قيس عبد الرزاق " في النحت مكنه من التلاعب بالحجر والمعدن لبعث صور واقعية ذات شكل تعبيري مجدد سما فيها إلى التجريد المقارن لاسترجاع صورة الماضي و تكوين ملحمة عصرية جديدة تتوافق ونظرة "بوتشيني "المستقبلية " .. " إن أي تجديد في الفن لن يتحقق الا بتجدد الجوهر ذاته ,"الرؤيا وفهم للخط والكتلة التي تشّكل الزخرفة .. الأرابسك " .فكان على الفنان البدء من النواة المركزية التي يريد خلقها لان الرؤيا التجاوزية المادية ترفض أسلوب النحت المتبع في أي بلد يحكمه التقليد الأعمى المضلل للموضوعات الموروثة عن الماضي .!! والفنان " قيس " لم يأخذ الوقائع كصور استعراضية إنما ابتنى الصورة من تأمل مطلق ونظرة تحليلية لتاريخ أمتنا العربية وما أصاب حضارتها وأمجادها من تلفيق قادته الشعوبيات عبر التاريخ . اما حين بدا " قيس " أول مشاريعه التنفيذية لإعادة خلق" معركة ذات الصواري" أول ملحمة عربية قهرت" بحر الظلمات " . فقد اعتمد أرضية صغيرة بالقياس إلى هيكل النصب العمومي حتى أخذ شكل زاوية حادة في بناء النصب , اما القاعدة الدائرية التي احتوت النصب فقد عبرّت عن توسع أفقي وعمودي ضم الحزام النحتي الخاص بوقائع المعركة وفيها استعمل" الفنان" النحت الحر في إبراز تلك الوقائع . وعند النظر إلى " ذات الصواري " نحس بان الفنان لم يفكر في غلق الدائرة المحيطة بها , بل جعل المطلق هو المهيمن على روح العمل واستدارته والتواءاته العنقودية فمن خواص "المثال" الرؤيا المجسمة للفضاء عبر المكونات التي يهيمن فيها "التخطيط والخط والحرف بنسق متناسب مع الشكل "ومنها تمكن " قيس" في دائرية منحوتاته البارزة إن يمنح الواقعة شكلا يقبل الإيحاء , فالفاتحون العرب لبحر الظلمات كانت لهم رؤيا تباينت بين الخوف والتصميم لسبر غور المجهول أول تجربة عربية مع البحر! إما الالتحام والتكوين وحركة المجسمات التي أخذت أشكالا واقعية تجديدية فقد دأب فيها على تحديد خط المعركة فلم يحاول حشو الفراغات بل تركها حرة لان النحت ليس صورة يمكن رؤيتها من وجه واحد بل مجموعة زوايا تمثل التكوين كله " الارتفاع والمنظور والحجم والزوايا الجانبية والشكل " وما يقترب والمنظور السينمائي المرادف للنحت. إما الانتقالات المحمولة ومسا قط الضوء فقد تجمعت عند نقطة داله مثلت طبيعة الشكل "النسب والتشريح والتناسق " موزعة على التكوين الفكري والجمالي ورؤية الفنان الذاتية التي ففرشت له نمطاً من التداخل المزدوج و بمساحات قد تمتد أو تقصر أعطته مرونة في الحذف و الإضافة و ما تباين في المجال التجريدي , لان الرؤيا تبقى ذاتية معبّرة عما يراه الفنان أو يشعر به , وهذا المخزون الكمي للعمل الذي دفعه للحركة المرتكزة في " التجذيف" وأثره على هيكل السفينة في الظهور كبروز جانبي يوحي وكأنها طائر يتهيأ للطيران ! وهذا الإيحاء ضم منحوتات تعبيرية بارزة استلت من ذلك الدفين في التاريخ فلم يحاول "الفنان" أبراز الجانب الظاهري لما عليه المعركة بل حاول تجسيدها كواجهة للمعاناة ولصراع رجال البحر, عبر اهتزاز الأمواج وصرير الصواري وحركة المجاذيف, اما التداخل المكمل لها فظهر عند قدوم السفينة الذي تركز على مربعات هندسية لها دلالات جمالية حملت هيكل النصب . . فكان للفنان أن ينحى منحى"المستقبليون" في تصوير الحركة وتخّيل الجزء المتحرك من الجسم عدة مرات وبأوضاع سينمائية الا انه أولى للواقعة مادته الفعلية وفنه وتجديده فظل مؤمنا بان الدلالة المعمارية العربية رغم تأثراتها الواسعة وما يحيط بها ظلت متميزة لها نمطها وأسلوبها المبسط الذي تركز على الرقش والزخرفة والابتعاد عن " التمثيل " واحترام الجسد . ومع إن نصب" ذات الصواري" نفذ في الربع الأخير من القرن العشرين فان مكان إقامته أمام مقر القوة البحرية العراقية قد افقده شكل المنظور الفني بسبب ضيق المكان وفقدان زوايا النظر اللامة له , فلم يُثرْ عند نقادنا أية علامة باستثناء النظرة الضيقة التي ظل عليها " نقاد بغداد" الذين دأبوا على النظر إلى الإنتاج الفني والأدبي القادم من الأطراف كفن وأدب من الدرجة الثانية وهي النظرة الجائرة الطبقية التي مازالت وستبقى علامة دالة على عدم حيادية نقد الفن والأدب عندنا ! ومع إن ذلك الأثر الجميل والمعبر الذي تحدى الفكر الشعوبي طيلة ثلاثة عقود الا أن الشعوبيات بعد الاحتلال عملت المستحيل لتهديمه وطمس أثاره وتصفيته خلال حملتها البربرية لتجريد العراق من عروبته!! اما العمل الاخر للفنان" قيس عبد الرزاق " فهو نصب " السندباد البحري " الذي لم يحاول الفنان أتباع طريقة الفنان " إسماعيل فتاح " ونظرته إلى زاوية واحدة في تنفيذه لتمثال الشاعر" أبو نؤاس" فكان تجريده بترا للتاريخ, أما " قيس" فقد قلب الرؤيا فكانت عمومية غير محددة كشفت شخصية "السندباد البحري " رغم خرافتها كشخصية مغامرة جاءت بها قصص وحكايات" شهرزاد" في" ألف ليلة وليله" و تركزت على" البصرة " بسحرها وأساطيرها وتجارتها.! لقد بادر"ألمثال" لتنفيذ قاعدة تركيبية متداخلة عريضة حملتها أعمده ساندة تركزت على الأرض و أحاطت النصب كموجودات واقعية وكرمز للبحر كما هي في" ذات الصواري" بإتباع أسلوب الظفيرة في النحت , فالتواء الألواح يجعل الناظر يحس بحركتها المائلة لوقع الأمواج فجعل لكل قاعدة اقترابات من" زهرة الزنبق"وحزام فضائي عند النظرة الاستكشافية التي جسدت شخصية السندباد الظاهرة في أعلى السفينة ,الا إن ما يلفت النظر إلى السندباد " عمامته وثيابه الفضفاضة التي تغيرت لتقترب من ثياب البحارة الأسبان وهو ما يجعلنا وسط مقارنة تسجيلية بأنه تبادل وإياهم الثياب ! كما ليخيل إلى الرائي بان سفينة السندباد قد اقتربت من نافورة "الكونكغورد الباريسية" التي سبحت بمياهها وجنياتها وأسماكها تحت سقف اله البحر ..ولكننا نعتقد بان الفنان قد أضاف للسندباد نماذج كلاسيكية مقاربة للجسد الأنثوي اقتربت من مط الحوريات الا إن وجودها لميكن يمثل غايات إباحية قدر ما هي موجودات جمالية للعالم الذي يراه رجال البحر كلما اطلوا على الأرض. !إن هذه الصيغ الجمالية مهما ألصقت لا تغير الحقيقة فالتداخل بالإشكال والأنماط الا تعبيرا شكليا غير منسوخ للفنان الحق به . اما أعمال " قبس " الأخرى..."نصب العامل" فقد أتخذ فيه طريقة بنائية أبرزت تقاطيع الوجه الطبيعي و انسيابية خطوطه لتكون أكثر اقترابا من حقيقة العامل العراقي وعدم وجود توترات عضلية أو تقطيعات في النسب مثلما كان أسلوب النحاتين السوفيت .. لقد عمل الفنان" قيس "بثقة أثبتت دوره الرائد في تحقيق عمق تجربته وتحولاته الجوهرية بين رفاق مرحلته " منقذ الشريدة وصبحي المدرس وشاكر محمود ويحيى محمد علي ومؤيد عبد الصمد العلو وعبد الرضا بتور ومرتضى حداد "ورغم محاولات تقويض أعماله الا إن "قيس عبد الرزاق " دلل على مكانته في فرض لون عربي خالص لإعادة كتابة التاريخ العملي .



del.icio.us
Digg
التعليقات (0 تعليقات سابقة):
أضف تعليقك